مجتمع … اين العقل الاستراتيجي الباحث في بلدنا /المستشار عبد الله ولد بونا


طالعت خبرا على المواقع المحلية عن ندوة نظمها دبلوماسيون وباحثون استراتيجيون تحت عنوان “موريتانيا والمحيط.. التأثير والتأثر”
واستغربت من خطاب السادة الباحثين الذي بدأ بتوجيه مسار الندوة بعيدا عما يفترض أن يكون مسارها المناسب ؛ وبذلك بقول
رئيس المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية، صبحي ودادي إن الندوة تهدف إلى نقاش تأثير وتأثر موريتانيا بمحيطها، ودورها في حل أزمات المنطقة!
وبذلك ينكشف أن الندوة تمثل رؤية سياسية تخدم رؤية بعض الجوار لا مصالح بلدنا الاستراتيجية .
فلا معنى لحصر ما يفترض أنه ندوة علمية استراتيجية في بعد ثقافي وشعارات عاطفية جوفاء.

وادعاء علمية الندوة تسقطه محاورها ؛ التي كان أولها الدور الموريتاني في حل أزمات المنطقة؛ بدل طرح أزماتنا الوطنية وأسبابها وسبر آفاق حلولها وسبر المخاطر القادمة من الجوار التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على نهضة بلدنا الشاملة .

ولم يكن المحور الثاني الذي هو قضايا التنمية والأمن بدول الساحل، إلا إمعانا في توجيه الندوة نحو تجاهل ذاتنا الوطنية التواقة إلى تضخيم الأنا عندنا بقول إن دور بلدنا هو حل مشاكل الإقليم والاهتمام بمشاكل التنمية والأمن في دول جنوب الصحراء
وتكتمل لعبة تضليل العقل الباحث الاستراتيجي الموريتاني عبر محور سموه (موريتانيا والصحراء )

إن مادار في الندوة بشقيها ؛ شق استعراض المحاضرين لما اعتبروه قراءة باحثة في المشهد وشق المداخلات والأسئلة لا يمكن تصنيفه إلا كمبادرة سياسية تتيح للمشاركين فيها الدعاية لطرف محدد من أطراف الصراع وتسويقا لتلك المواقف ؛ والإجماع على خدمة الجوار على حساب الوطن لاغير.

إن حجم التضليل السياسي في تلك الندوة وحجم قصور الرؤية الاستراتيجية كان أفدح من تجاهله.

كان الموريتانيون ينتظرون من ندوة كهذه رصد المخاطر المحدقة ببلدنا من كل الجهات والمشاريع التوسعية والخطاب العدائي ضد بلدنا الصادر من بعض دول الإقليم ؛ سواء كان رسميا أوشبه رسمي أو كان صادرا من أحزاب موالية أو معارضة في دول الإقليم ؛ ورسم خط بياني لذلك.

وكان يفترض أن تتحدث الندوة عن أثر الاحتلال المغربي للصحراء الغربية واحتمالات ومآلات ذلك الملف الاستراتيجي لأمن بلدنا بعد خرق الرباط لاتفاقيات وقف إطلاق النار وملحقاتها وإعلان الصحراويين الحرب على المغرب .
ورصد كل أثر لذلك على أمننا واقتصادنا ؛ فنحن خرجنا من تلك الحرب المشؤومة مبكرا عام 1978 لكننا ما زلنا نستنزف بها ؛ وكأن طرفا من أطرافها لايريد لموريتانيا أن تنعم بالأمن والتنمية ؛ لقد اضطررنا في موريتانيا لرفع مصاريف الدفاع وتجهيز جيشنا وتوفير دعم لوجستي أكبر لقواتنا المنتشرة على حدود طولها 1550 كيلومتر مع الصحراء الغربية المحتلة لنحمي خاصرتنا الاقتصادية الهشة وشريانها الحيوي الممتد من ازويرات إلى انواذيبو .

وكان على دكاترة الندوة وضع محاور أخرى على الطاولة كتأثير البنى التحتية في الصحراء المحتلة التي اقترض المغرب تمويلها لخنق الشاطئ الموريتاني أولا ؛ فتلك الموانئ التي شيدها المغرب هناك لها أهداف استراتيجية منها محاصرة أي نهضة تحتية بحرية لبلدنا.

وكان عليهم تسليط الضوء على بوابة الكيلو 55وفقدان التوازن في التبادل التجاري بيننا مع المغرب ؛ وسلبية السماح للشاحنات المغربية باستهلاك العمر الافتراضي لطرقنا الداخلية وأهمية إلزام الشاحنات المغربية بإفراغ حمولتها عند حدودنا لخلق فرصة للناقلين الموريتانين ؛ كما تفعل السنغال ؛ على أن تسلم شاحناتنا حمولتها للناقلين الماليين أو السنغاليين حسب وجهة الحمولة المغربية .
ولكم كان طرح بعض “الباحثين الاستراتيجيين ” متهافتا لما تحدوا عن مآلات القضية الصحراوية ؛ فانكشوا كناطقين باسم الرباط ؛ بتوقع تصفية القضية أو اقتصار حلها المستقبلي على شبه دولة في الداخلة وغير ذلك من الاستنتاجات التي لم تستبق بعرض واع متجرد يسرد المعطيات بموضوعية ويستنتج بوعي.
وقد أسقط “المحاضرون” من أذهانهم حجم وعمق الإنجازات الصحراوية إفريقيا وأوروبيا وعالميا وعلى مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ؛ وتأثير المقاومة الصحراوية في الداخل المحتل وعوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية مغربية داخلية تجعل استمرار احتلال المغرب لأراضي الجمهورية العربية الصحراوية مستحيلا .
وعامل عسكري آخر حاسم هو أن المغرب يحتاج مليونين جندي لتأمين خط النار مع البوليساريو الممتد على طول 2750 كيلومتر ؛ في الوقت الذي يعاني فيه المغرب عقدا أمنية واقتصادية ضاغطة وعقدا قديمة متجددة محورها الخوف من الجيش على العرش ؛ ومعطيات تجعل الحسم المغربي العسكري للنزاع مستحيلا وكذلك الحسم السياسي والدبلوماسي .

ولم يكن استعراض تأثيرات الوضع جنوبا وشرقا أحسن حظا فقد كانت الندوة موجهة لتسويق مصالح الجوار والاقتصار على تكبيل بلدنا بخطاب عاطفي انبطاحي يكبل موريتانيا ويمنعها من سبر مستقبلها بوعي استراتيجي نحن بحاجة إليه بدل تلك الجمل الممجوحة التي لا حمولة إيجابية لها ؛ كالقول أنا همزة وصل بين العرب وإفريقيا أو أن علينا أن نظل حياديين بين أطراف الصراع المغاربي أو في جنوب الصحراء ؛ وكأننا بلد بلا طموح للنهضة الشاملة وفرض دوره الإقليمي بثقة واقتدار.
لقد كانت ندوة اهتمت بكل شيء إلا مصالح موريتانيا الاستراتيجية .
نحن بلد مستهدف من الجهات أمنيا وسيا سيا واجتماعيا وتتقاطع في بلدنا مشاريع معادية لثوابته وهويت

وتتقاطع في بلدنا مشاريع معادية لثوابته وهويته قد تختلف في محركاتها لكنها تتحد في غايتها التي هي عرقلة نهضة موريتانيا اقتصاديا .
الإرهاب الذي حشرناه بعيدا عن بلدنا ؛ والفكر الفرانكفوني الملحد الذي يمتطي رقاب طرح زنجي متطرف ؛ وتدفق ديمو غرافي غطاؤه الهجرة إلى أوروبا لكنه يتخذ من بلدنا مستقرا لتستغله جهات تعمل على تفكيك روابط مجتمعنا ؛ وغير ذلك من التحديات
إن بلدنا بحاجة لهدم أنساقه الاستراتيجية القديمة ؛ وبناء شبكة أمان قوية مع بعض دول الجوار المؤتمنة كالجزائر بما يخدم مصالحنا المشتركة ؛ وسيظل الصحراويون هم الشقيق الاستراتيجي أبدا كما سيظل المغرب بشكله الحالي هو أكبر تهديد استراتيجي لدولتنا الوطنية

الباحث الاستراتيجي عبد الله ولد بوناا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق