مهرجان مدائن التراث في موريتانيا بين الطموح والواقع – موقع اخر قرار

اعداد / محمدو عبد الله

في ظل الجهد المتواصل للحفاظ على تراث موريتانيا الثري وإبراز مدنها التاريخية العريقة، يقف مهرجان مدائن التراث كمنصة ثقافية سنوية تأمل في إعادةو إحياء مجد الماضي وإشاعة نكهة الأصالة في الحاضر.

غير أن هذه الاحتفالية التي تحظى برعاية وزارة الثقافة تحمل في طياتها تحديات حقيقية، ما بين الطموحات الكبيرة التي تعلنها الجهات الرسمية والواقع الذي تعيشه المدن القديمة من عزلة وتردٍ.

في هذا التقرير، نسلط الضوء على التجربة السنوية لهذا المهرجان، ونناقش تداعياته على الأرض، بين انتقادات رأته هدر ا للموارد، وآخري رأته فرصة استثنائية لانطلاق مسيرة التنمية الثقافية والاقتصاد

برنامج ثقافي ووعود تنموية

تحت إشراف وزارة الثقافة، تحتضن إحدى المدن التاريخية في موريتانيا سنوياً مهرجان مدائن التراث، الذي يهدف إلى تسليط الضوء على التراث العمراني والثقافي لمدن شنقيط، وادان، تيشيت، وولاته. ويشتمل المهرجان كل عام على سلسلة من الفعاليات الثقافية والأمسيات الشعرية والمعارض التراثية، وسط حديث رسمي عن تخصيص ميزانيات ضخمة للمساهمة في تطوير هذه المدن وتنميتها.

تعريف المهرجان وأهدافه

مهرجان مدائن التراث (المدن القديمة): هو مهرجان سنوي تحتضنه بالتناوب مدن شنقيط، وادان، تيشيت وولاته التاريخية، ويهدف إلى إعادة الاعتبار لتلك المدن وإحياء تراثها الثقافي والديني والعلمي، مع تنظيم فعاليات منوعة تشمل ندوات تراثية، معارض مخطوطات ومصنوعات تقليدية، مسابقات شعرية وفنية، وعروض فنية وفلكلورية.
الدعم: يحصل المهرجان على تمويل سنوي سخي يصل جزء منه لمشاريع تنموية بالمدن المضيفة.
الأهداف: من أهم أهداف المهرجان فك العزلة عن المدن، وتمكينها تنموياً وثقافياً، وجذب الزوار وتنشيط السياحة الثقافية.

تمويل وخطط الوزارة

  • التمويل: تخصص الدولة عبر ميزانية وزارة الثقافة تمويلاً سنوياً بعشرات الملايين من الأوقية، إضافة إلى مساعدات من بعض الشركاء الدوليين، ويشمل الإنفاق تنظيم الفعاليات، صيانة المعالم التاريخية، دعم المشاريع المحلية الصغيرة، وتحسين بعض البنى التحتية بالتزامن مع أيام المهرجان.

  • الخطط: تروج الوزارة لخطة تهدف لـ “فك العزلة” عن المدن المستهدفة عبر جذب الزوار، ودعم التنمية المحلية وتنشيط الصناعات الثقافية والحرفية، والتعريف بالمخزون التراثي.

غياب الأثر الفعلي وتجدد انتقادات المنتقدين

على الرغم من مرور أكثر من عقد على انطلاق المهرجان، يرى عدد من السكان والمنتقدين للسياسات الثقافية أن النتائج الميدانية لا تزال غائبة. فالمدن التاريخية المعنية تعرف اليوم مستويات متدنية من الخدمات (مياه، صحة، بنيات تحتية)، وتبدو في وضعية بؤس وتردٍ رغم تخصيص ميزانيات معتبرة سنوياً لهذا الحدث.

ينتقد معارضو الوزارة ما يرونه “تبذيراً غير مبرر” في تنظيم مهرجانات موسمية لا تترك أثراً مستداماً، ويشيرون إلى أن مبالغ ضخمة تصرف على الحفلات والأنشطة المؤقتة، بينما تعاني هذه المدن من العزلة وضعف الاستفادة الحقيقية للسكان المحليين من عائدات المهرجان.

ويدعو هؤلاء إلى توجيه الإنفاق نحو مشاريع خدمية وإصلاحات بنيوية تمسّ واقع المعيش للمواطنين.

أصوات مؤيدة: نافذة للأمل ورافعة للتنمية

في المقابل، يتمسك المدافعون عن البرنامج بجدواه، ويرون فيه فرصة ذهبية لـ “نفض الغبار” عن المدن العريقة وإدخالها مجدداً في دائرة الاهتمام الوطني والدولي.

ويؤكدون أن المهرجان ساهم في تنشيط السياحة الثقافية، وعرَّف الأجيال الجديدة بتاريخ المدن وأحيا تقاليدهم التراثية، كما حرك ركود بعض القطاعات الاقتصادية المحلية خلال فترة المهرجان، ولو بنطاق محدود.

يشيد المؤيدون بما تحقق من ترميم بعض المساجد والمباني التاريخية وتسجيل المدن في لوائح التراث العالمي وتعزيز مكانتها في الذاكرة الوطنية.

وينادون بإتاحة هامش زمني أطول لتنزيل الأثر التنموي للمهرجان، مع تشجيع تعزيز الرقابة وضمان توجيه الموارد لصالح السكان، وليس فقط لمظاهر الاحتفالات.

 في هذا الاطار يتواصل الجدل حول جدوى مهرجان مدائن التراث بين واقع العزلة المزمن والمدن التي ما تزال تنتظر نصيبها العادل من التنمية، وبين تطلعات قطاع عريض يرى في المهرجان أداة لإحياء الذاكرة الحضارية وبوابة لتحفيز اقتصاد المدن التاريخية الموريتانية نحو مستقبل أفضل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق