ضعف الاستثمارات الأجنبية في موريتانيا.. ترويج غير فعال أم بيئة طاردة؟- موقع أخر قرار

إعدا / محمدو عبد الله

رغم الحضور اللافت لموريتانيا في عشرات المعارض الدولية، والعروض المتكررة التي تقدمها وزارة التجارة والتسويق السياحي للتعريف بفرص الاستثمار في البلاد، لا تزال الأرقام تشير إلى ضعف حاد في حجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى السوق الموريتانية.
فلماذا تفشل هذه المشاركات الواسعة – التي تتطلب جهودًا لوجستية وميزانيات ضخمة – في إقناع المستثمرين؟
هل الخلل في طريقة الترويج، أم أن بيئة الاستثمار في البلاد غير جاذبة رغم كل محاولات التجميل؟
تساؤلات يتجدد طرحها مع كل مشاركة رسمية، كما حدث مؤخرًا في “اليوم الوطني الموريتاني” بمعرض إكسبو 2025 في أوساكا اليابانية، ما يفتح الباب لنقاش جدي حول التحديات الحقيقية التي تعيق تدفق الاستثمارات إلى موريتانيا.

مؤخرًا، شاركت موريتانيا في فعاليات “اليوم الوطني الموريتاني” ضمن معرض إكسبو 2025 بمدينة أوساكا اليابانية، حيث نظّمت وزارة التجارة والسياحة فعالية رسمية تضمنت عروضًا فنية، وجناحًا وطنيا لعرض المنتجات التقليدية والفرص الاقتصادية. وأشاد مسؤولو الوزارة بهذه المشاركة، معتبرينها فرصة لتقديم مقدرات موريتانيا الثقافية والسياحية والاستثمارية، وتعزيز حضورها الدولي.

لكن رغم هذه الجهود التي تتكرر كل عام، يتساءل العديد من المراقبين والمواطنين عن أسباب غياب الأثر الملموس لهذه المشاركات على أرض الواقع، حيث لا تزال الاستثمارات الأجنبية المباشرة محدودة، والمشاريع الكبرى النابعة من اتفاقيات وقعت على هامش هذه المعارض نادرة جدًا إن لم تكن معدومة.

أصوات معارضة: “تسويق بلا إصلاح، استعراض بلا نتائج”

يرى المنتقدون والمعارضون للنظام أن هذه المشاركات، وإن كانت تبدو رسمية ومنمقة، لا تتعدى كونها عروضًا استعراضية تُستخدم لأغراض سياسية أكثر من كونها استراتيجية اقتصادية فعالة. ويؤكد بعضهم أن الوفود الرسمية تركز على الجانب البروتوكولي والفني أكثر من تقديم ملفات حقيقية ذات مصداقية لجذب المستثمرين.

ويشير النشطاء في المجال الاقتصادي إلى أن غياب بيئة استثمارية جذابة هو السبب الرئيسي في فشل موريتانيا في تحويل هذه المشاركات إلى مكاسب اقتصادية. فبيروقراطية الإدارة، وغياب الضمانات القضائية، وضعف البنى التحتية، والفساد، جميعها عوامل طاردة لأي مستثمر أجنبي جاد.

كما يُلاحظ أن الوزارة لا تقدم تقارير شفافة أو بيانات علنية توضح نتائج مشاركاتها الدولية، أو حجم الاتفاقيات التي وُقعت، مما يعزز من الشكوك حول جدوى هذه الرحلات المتكررة التي تكلّف الدولة أموالًا طائلة دون عائد واضح.

وجهة نظر رسمية: الحضور الدولي خطوة ضرورية ولو بطيئة

في المقابل، يدافع مسؤولو الحكومة والمؤيدون للسياسات الاقتصادية الحالية عن أهمية هذه المشاركات، معتبرين أن الترويج للاستثمار في المحافل الدولية لا يؤتي ثماره بسرعة، بل يتطلب تراكمًا وجهدًا متواصلاً، وخلق حضور دبلوماسي واقتصادي مستمر.

ويقول المسؤولون إن البيئة الاقتصادية الموريتانية تشهد تحسنًا تدريجيًا، مع بدء تنفيذ مشاريع بنى تحتية، وتحسينات تشريعية على قانون الاستثمار، وإطلاق مناطق حرة في نواذيبو، ومحاولات لإصلاح القطاع القضائي، وهي عوامل يُفترض أن تُترجم لاحقًا إلى تدفق أكبر للاستثمارات.

ويؤكد هؤلاء أن الدولة تسعى إلى تنويع الاقتصاد من خلال الاستثمار في قطاعات غير تقليدية، كالسياحة والصناعات الاستخراجية والطاقة المتجددة، لكن تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال يتطلب وقتًا واستقرارًا سياسيًا وأمنيًا، إضافة إلى شراكات استراتيجية.

هل يمكن تدارك الفجوة؟

لتحقيق اختراق حقيقي في جذب الاستثمارات الأجنبية، يرى الخبراء أن مشاركة موريتانيا في المعارض الدولية يجب أن تترافق مع إصلاحات هيكلية حقيقية داخل البلاد، خاصة في مجالات الحوكمة، الشفافية، وتحسين مناخ الأعمال.

كما ينبغي للوزارة أن تعتمد خططًا تسويقية قائمة على دراسات جدوى واضحة وملفات استثمارية جاهزة، بدلاً من الاكتفاء بعروض ثقافية أو بروشورات تعريفية.

ولن تكون مشاركات موريتانيا الخارجية فعالة إلا إذا أصبحت جزءًا من استراتيجية اقتصادية متكاملة تُنفذ داخليًا بصرامة وجدية، بما يمنح المستثمرين الأجانب الثقة، ويجعل من البلاد منافسًا حقيقيًا في منطقة الساحل التي أصبحت ساحة صراع اقتصادي دولي بين قوى كبرى، من الغرب إلى روسيا، والصين التي تضاعف نفوذها بهدوء في إفريقيا.

تثير الهوة بين الحضور الدولي المكثف وواقع الاستثمارات الأجنبية الشحيحة في موريتانيا تساؤلات مشروعة حول جدوى السياسات الترويجية الحالية. وبينما يرى البعض أن الوزارة تتحرك دون خطة واضحة، يؤكد آخرون أن نتائج هذه الجهود ستظهر على المدى البعيد. لكن ما لا خلاف عليه، هو أن تحسين بيئة الاستثمار داخليًا بات ضرورة لا يمكن إرجاؤها إن كانت موريتانيا تريد أن تتحول من مشارك في المعارض إلى مقصد فعلي لرؤوس الأموال و الدول.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق