“العدالة تقترب من القمة: هل تنجح محكمة العدل السامية؟”

اعداد/محمدو عبد الله
تُعد محكمة العدل السامية إحدى المؤسسات الدستورية الموريتانية التي نص عليها دستور 1991، وهي مكلّفة بمحاكمة رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة عن الجرائم المرتكبة أثناء ممارسة مهامهم. وينظم القانون النظامي رقم 2020/30 إجراءات عمل المحكمة وتشكيلها وصلاحياتها، بعد تعديلات أقرها البرلمان لتأهيلها للقيام بدورها.
وتمثل المحكمة آلية دستورية لتعزيز الرقابة على السلطة التنفيذية وترسيخ مبدأ فصل السلطات، إذ تُحال إليها الملفات بقرار من الجمعية الوطنية بعد توجيه الاتهام رسمياً للمسؤولين المعنيين.
ورغم الاعتراف الدستوري بها منذ عقود، تأخر تفعيل المحكمة فعلياً لسنوات بسبب خلافات سياسية حول تشكيلها، قبل أن تشهد المؤسسة في الآونة الأخيرة خطوات متقدمة بعد انتخاب بعض أعضائها، مما أثار اهتمام الأوساط السياسية والقانونية.
رأي الداعمين للنظام
يرى مؤيدو النظام الحاكم أن تفعيل محكمة العدل السامية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز المساءلة ومحاربة الفساد، باعتبارها منصة قضائية مستقلة قادرة على محاكمة كبار المسؤولين وفق نصوص واضحة تمنحها صلاحيات قانونية كافية. ويؤكد هؤلاء أن الإرادة السياسية الحالية تمهّد لتفعيل المحكمة بشكل فعّال، خصوصاً في ظل الإصلاحات الجارية في قطاع العدالة التي يتبناها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ما يجعل المحكمة أداة لتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وترسيخ حكم القانون.
رأي المعارضين للنظام
في المقابل، يشكك معارضون في قدرة المحكمة على تحقيق الهدف المنشود من تأسيسها، معتبرين أن التجاذبات السياسية قد تحدّ من استقلالية المؤسسة، وأن إمكانية محاكمة مسؤولين كبار لا تزال مرتبطة بميزان القوى داخل البرلمان، الذي يملك حق توجيه الاتهام. ويرى هؤلاء أن المحكمة قد تتحول إلى إطار شكلي دون ممارسة فعلية، ما لم تُستكمل ضمانات الاستقلال والشروط المتعلقة بنزاهة إجراءات الإحالة والتحقيق.
يبقى تفعيل محكمة العدل السامية قائماً على الالتزام السياسي والمؤسسي بتوفير استقلاليتها واستكمال هياكلها، بين آمال المساندين واحترازات المعارضين. غير أن تفعيلها بشكل جاد قد يشكل نقطة تحول في مسار العدالة والمساءلة في موريتانيا، ويعزز الثقة في النظام القضائي ويثبت قواعد الحكم الرشيد.