بين خطاب الحزم ورسائل التهدئة.. هل يملك غزواني الجرأة لمعاقبة كل المتورطين؟

أثار خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال تخرج الدفعة الـ46 من المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية، بعد تأكيده إلزام الحكومة بتطبيق توصيات أجهزة الرقابة والتفتيش، ومساءلة كل موظف يشتبه في تورطه في الفساد، دون استثناء.
خطاب بدا حازماً في لهجته، لكنه يطرح تساؤلات عميقة حول مدى إمكانية تطبيقه فعلياً في ظل توازنات سياسية دقيقة داخل النظام الحاكم.
الرئيس الذي أعلن صراحة أن “الإصلاح مرهون بالقضاء على الفساد الإداري والمالي”، بدا وكأنه يوجه إنذاراً واضحاً للمسؤولين، تزامناً مع تصاعد الجدل الشعبي حول تقرير محكمة الحسابات الأخير، الذي كشف عن تجاوزات مالية وإدارية وصفت بأنها الأكبر منذ سنوات.
غير أن التحدي الأكبر أمام هذا الخطاب لا يكمن في إعلان النية، بل في ترجمتها إلى قرارات فعلية تطال كل المتورطين، بمن فيهم كبار المسؤولين الذين يشكلون ركائز أساسية في النظام السياسي الحالي.

بين العدالة والسياسة

يرى مراقبون أن غزواني يواجه معادلة صعبة: فالتوسع في العقوبات ليشمل شخصيات نافذة قد يهدد تماسك المنظومة الحاكمة ويخلق تصدعات داخلية في صفوفها، في حين أن التهاون أو الانتقائية في المحاسبة سيضعف مصداقية خطاب الحرب على الفساد، ويغذي حالة الإحباط لدى الرأي العام الذي بات يطالب بإجراءات ملموسة لا شعارات عامة.
في المقابل، تذهب بعض التحليلات إلى أن الرئيس قد يسعى إلى “محاسبة انتقائية محسوبة”، تسمح بترميم صورة النظام أمام الشارع دون أن تمس مراكز القوى الحساسة التي يستند إليها، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة التي تتطلب ضبط التوازنات والولاءات داخل الأغلبية.

محاولات التخفيف الحكومي

في الأيام الأخيرة، بدا واضحاً أن الحكومة تحاول امتصاص الغضب الشعبي المصاحب لتقرير محكمة الحسابات، عبر تصريحات في وسائل الإعلام الرسمية تصف ما ورد فيه بأنه “أخطاء في التسيير غير متعمدة” وليست “قضايا فساد متعمد”.
هذه اللغة التبريرية توحي، بحسب مراقبين، بأن هناك خطابين متوازيين في المشهد الرسمي:
الأول، يقدمه الرئيس للرأي العام بهدف طمأنته وتعزيز الثقة في الجهود الإصلاحية؛
والثاني، ينبع من دوافع سياسية داخلية تهدف إلى تجنب الصدام مع شخصيات نافذة قد يثير استهدافها أزمة داخلية تعصف بتماسك الأغلبية.

يبقى السؤال المطروح اليوم: هل سيتحول خطاب الرئيس إلى نقطة تحول في مسار مكافحة الفساد، أم أنه سيكون مجرد خطوة رمزية لتهدئة الشارع؟
التجارب السابقة تشير إلى أن معركة الفساد في موريتانيا ظلت دائماً رهينة الحسابات السياسية، لكن الظروف الحالية قد تدفع الرئيس غزواني إلى الذهاب أبعد مما فعل أسلافه، خصوصاً إذا أراد أن يرسخ إرثه السياسي كرجل دولة يوازن بين الحزم والإصلاح.
في النهاية، يبقى الشارع الموريتاني مترقباً ليرى ما إذا كانت “الحرب على الفساد” ستطال الجميع بالفعل، أم أن بعض الرؤوس الكبيرة ستظل، كالعادة، خارج مرمى العقاب حمايةً لتوازنات النظام.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق