التعديل الوزاري في موريتانيا: إعادة إنتاج التوازنات أم بداية إصلاح؟ – موقع أخرقرار

اعداد / محمدو عبد الله

ما الذي حمله التعديل الوزاري الأخير في موريتانيا؟
هل جاء استجابة لمطالب الشارع، أم أنه مجرد إعادة تدوير لوجوه قديمة تحت غطاء جديد؟
هل فتح الباب أمام مشاركة أوسع لشرائح ظلت مهمّشة، أم أنه لم يخرج عن منطق المحاصصة والولاءات؟
وهل أراد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني معالجة الفشل في بعض القطاعات، أم أن الأمر لا يعدو كونه ترتيباً داخلياً لموازين القوى في النظام؟

أسئلة عديدة شغلت الرأي العام، واختلفت بشأنها تحليلات الصحفيين والمدونين بين من يراها خطوة لتعزيز مصالح النظام وحده، ومن يستبشر فيها بداية إصلاح تدريجي.

إعادة توزيع المواقع: “هذا مكان ذاك”

جاء التعديل ليعكس منطقاً وصفه بعض المراقبين بـ”تبادل المقاعد” أكثر من كونه ثورة إصلاحية. فكما يلاحظ المدونون، كثير من الحقائب لم تخرج من دائرة المحاصصة القبلية والشرائحية:

  • وزراء يغادرون ليحل مكانهم أبناء عمومتهم أو ممثلون عن نفس العمق الاجتماعي.

  • شخصيات تُستدعى لاعتبارات التوازنات السياسية أكثر من الكفاءة المهنية.

بهذا المعنى، بدا أن منطق “ذهب هذا، فجاء قريبه” ما زال مسيطراً، وهو ما أثار استياء من يرون أن هموم المواطن لم تدخل في حسابات التعديل.

قراءة المنتقدين: مصالح النظام أولاً

المدون حبيب الله أحمد والصحفي أحمد يعقوب اعتبرا أن التعديل الوزاري جاء لترتيب البيت الداخلي للنظام، دون تقديم جديد للمواطن.

  • فالكفاءات لم تكن المعيار الأساسي، حيث بقي وزراء فشلوا في قطاعاتهم، بينما خرج آخرون بقرارات وصفت بأنها “تبادلية”.

  • كما أن التوازنات القبلية والشرائحية طغت على أي منطق إصلاحي، ما يعزز فكرة أن الحكومة أقرب إلى “حصص اجتماعية” منها إلى فريق عمل متناغم.

من هذا المنظور، يظهر التعديل وكأنه محاولة لإرضاء مراكز النفوذ، أكثر من كونه استجابة لمطالب إصلاحية ملحّة.

قراءة متفائلة: بشائر الإصلاح والاستيعاب

على الضفة الأخرى، يرى الصحفي والمدون عبد الله أشفاغ المختار أن التعديل يحمل إشارات إيجابية، أبرزها:

  • توسيع مشاركة شريحة لحراطين بخمس حقائب وزارية، وهو تطور غير مسبوق يُقرأ كاستجابة لضغوط المساواة ومحاولة استيعاب خطاب بيرام الداه اعبيد.

  • عودة شخصيات سياسية ذات ثقل اجتماعي مثل الناها منت مكناس وعبد الله ولد الشيخ سيديا، في خطوة وصفها بأنها ضرورية لوقف حالة التشرذم داخل بعض المناطق الحيوية مثل نواذيبو وبوتلميت.

  • التأكيد على محاسبة بعض الوزراء أو تغيير مواقعهم في القطاعات التي شهدت إخفاقات، مثل قطاع الزراعة.

هذه القراءة تعكس تفاؤلاً بأن التعديل قد يشكّل بداية مسار تدريجي نحو إصلاح سياسي واجتماعي أوسع.

خلفيات سياسية: بين الطموحات والصراعات

التعديل لا يمكن فصله عن السياق السياسي داخل الأغلبية:

  • فقد ظهر أنه يحدّ من نفوذ بعض الشخصيات الطامحة، مثل وزير المالية السابق سيد أحمد ولد أبوه، الذي نُقل إلى وزارة الزراعة بعد خلافات داخلية.

  • كما أضعف إلى حد ما سيطرة تيار “متحدون” بقيادة وزير المالية الأسبق محمد الأمين ولد آجي.

  • وفي المقابل، عزز حضور شخصيات أخرى مرتبطة مباشرة بالرئيس، ما يوحي بأن التعديل كان أيضاً رسالة لإعادة ضبط موازين القوى داخل الأغلبية الرئاسية.

بين الواقع والتطلعات

رغم اختلاف القراءات، يتفق المراقبون على أن التعديل لم يكن “اجتثاثاً شاملاً” كما توقّع البعض، ولا مجرد “ترقيع شكلي” كما اعتقد آخرون. بل كان أقرب إلى عملية موازنة دقيقة، أراد من خلالها الرئيس ولد الغزواني أن يحافظ على التوازنات الاجتماعية والسياسية، وفي الوقت نفسه أن يبعث إشارات إصلاحية محدودة.

من خلال تتبع مسار التعديل الوزاري، يتضح أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يوازن بين ضغطين متوازيين:

  • ضغط الإصلاح الذي يفرضه الشارع وملفات الفساد والخدمات.

  • ضغط التوازنات السياسية والاجتماعية التي تضمن استقرار الحكم واستمرار التحالفات.

لكن التحدي الأكبر يكمن في أن هذه التوازنات، مهما كانت ضرورية، لن تكفي وحدها لإقناع المواطن العادي الذي ينتظر تغييراً ملموساً في حياته اليومية. لذلك، فإن الخطوة المقبلة أمام الحكومة يجب أن تذهب أبعد من إعادة تدوير الأسماء، نحو بناء ثقافة حكامة رشيدة، ومحاسبة شفافة، وربط المنصب الوزاري بنتائج واقعية على الأرض.

وبغير ذلك، ستظل التعديلات الوزارية مجرد “طشّة من لخبار” كما يصفها الشارع، دون أن تغيّر جوهر الأزمة التي يعاني منها المواطن منذ سنوات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق