أزمة عطش نواكشوط: بين تحديات الطمي وابتعاد المسؤولين عن نبض الشارع- موقع أخر قرار

اعداد /محمدو عبد الله

تشهد العاصمة الموريتانية نواكشوط أزمة عطش غير مسبوقة أفقدت العديد من سكانها أبسط مقومات الحياة، وسط صمت نسبي لمسؤولين لا يعايشون الأزمة عن قرب. يأتي ذلك في ظل محاولات حكومية تقنية لمعالجة الطمي الذي شهد ارتفاعاً تاريخياً في مياه نهر السنغال، لكن التحديات ما زالت شاهقة، والمواطنون العاديون يعانون في صمت بين انقطاعات متكررة وتوزيع عشوائي للمياه.

مأساة “الجركانات”.. يوميات البحث عن ماء مفقود

في أحياء لمغيطى، والترحيل، والفلوجة، وباقي المناطق الشعبية، تبدو معاناة السكان اليومية كصورة حية لأزمة إنسانية عميقة. مشاهد صباحية ومسائية يتحرك فيها الناس حاملين أوعية مياه بلاستيكية (“جركانات”) أو قنينات لا تتسع إلا لنصف لتر، تتخللها رحلات مضنية بحثًا عن نقط توزيع المياه التي لا تكاد تفي بالحاجة. حركة دائمة تتكرر دون جدوى كافية، بينما يشدد الطمي كفه على مياه النهر، ويقيد أنابيب ضخ المياه إلى العاصمة.

الوزيرة آمال بنت مولود: مواجهة تقنية لكنها مؤجلة

في لقاء خاص مع نواب المعارضة، قدمت وزيرة المياه والصرف الصحي صورة دقيقة للمشكلات الفنية التي تواجه القطاع، مؤكدة أن الطمي وصل لمستويات قياسية لم يشهدها النهر من قبل. تحدثت الوزيرة عن واحدة من أضخم عمليات التصدي على صعيد البنية التحتية للقطاع، قائلاً إن الحكومة كثفت الجهود لاقتناء تركيب أكثر من ألف طن من المعدات والآليات، بعضها نُقل بحراً وتركيبها ما زال في مرحلة التجريب.

بنت مولود أبدت تفاؤلها بنتائج هذه التجارب التي بدأت جزئياً خلال الأيام الماضية، مع وعد بحل جذري ونهائي خلال أيام معدودة، مشيرة إلى أن المنشأة الجديدة لإزالة الطمي في آفطوط الساحلي دخلت مرحلة التشغيل التدريجي.

نواب في وادٍ والشعب في وادٍ آخر: الأزمة تعبر عن أزمة تمثيل

برغم أن نواب المعارضة رفعوا أصواتهم احتجاجاً أمام وزارة المياه، مرددين شعارات تطالب بحلول ملموسة، إلا أن حضورهم في لقاءات مع الوزيرة تناقش أزمة العطش أثار جدلاً واسعاً. فالنواب الذين يعيشون عادة في أحياء راقية ويحظون بمخصصات وامتيازات – بعيدة تماماً عن المناطق الأكثر تضرراً – يعبرون عن صوت لا يمثل نبض الشارع.

الانتقادات التي تأخذ منحى حاداً تشير إلى أن نواب الأغلبية لا يشاركون في هذه المناقشات ولا يتواجدون أصلاً بين أهالي مأساة العطش، مما يزيد من الهوة بين السلطة والشعب. هذا التباعد يطرح تساؤلات حول فعالية الحوار السياسي في معالجة أزمات أساسية تؤرق المواطنين.

من توزيع المياه إلى ارتفاع أسعار الصهاريج.. دائرة مأزومة

أكدت الوزيرة أن الحكومة تعتمد نظام المناوبات لضمان توزيع المياه من آفطوط الساحلي وإديني بشكل عادل على مختلف الأحياء. كذلك، وزع القطاع المياه مجاناً عبر صهاريج في المناطق النائية. ومع ذلك، لا زال سعر طن المياه في الصهاريج الخاصة مرتفعًا بشكل كبير، متجاوزًا السعر الرسمي (أربعين أوقية جديدة)، مما يزيد من معاناة المواطنين الفقراء الذين يضطرون للشراء بأسعار خرافية في سوق المياه.

حاجة ماسة إلى حوار مباشر مع المتضررين

الواقع القاسي في شوارع نواكشوط يتطلب من الوزيرة آمال بنت مولود فتح قنوات تواصل مباشرة مع سكان الأحياء الأكثر تضرراً، والاطلاع على المعاناة الميدانية بدل الاقتصار على اجتماعات سياسية داخلية. يتطلب الأمر تحركًا وطنيًا يعكس روح المسؤولية ويكرس مبدأ استماع السلطة إلى نبض الشعب.

تصريحات الوزيرة الأخيرة توحي بالإصرار على حل الأزمة لكنها بحاجة لأن تترافق مع خطوات عملية وشفافية أكبر لإعادة الثقة بين المواطن والدولة، خصوصاً في ظل ارتفاع نسبة الطمي التي تعرقل ضخ المياه النقية.

خاتمة: هل تشرق شمس الحلول على نواكشوط قريباً؟

أزمة العطش في نواكشوط هي تتويج لعوامل مناخية وفنية وسياسية مركبة. في حين تأمل الحكومة أن تؤدي المنشأة الجديدة ونظام التوزيع الحالي إلى حل نهائي خلال أيام، يظل السؤال الأكبر: هل ستنجح هذه الإجراءات التقنية في مواجهة واقع مأساوي طال انتظار سكان العاصمة له؟ وهل ستشهد المرحلة المقبلة انتقالاً من حوار المؤسسات المغلقة إلى مشاركة فعالة مع المجتمع المدني والمواطنين مباشرة؟

بين انتظار “جركانات” الحاملين للماء وفلسفة المناوبات الحكومية وتجربة الأجهزة الجديدة، ينتظر سكان نواكشوط ولادة أمل يخترق ظلمة أزمة عطش تعيشها العاصمة منذ سنوات دون انقطاع.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق