“تداخل الأدوار في الإعلام الموريتاني: كيف يهدد المسؤولون جودة الصحافة وحرية التعبير؟”- موقع أخرقرار

إعداد / محمدو عبد الله
تشكل ظاهرة تداخل الأدوار بين المسؤولين في المناصب الحكومية أو القيادية الحزبية وممارستهم الفعلية للعمل الصحفي تحدياً جوهرياً وواقعاً معقداً يعيق مسيرة تطوير القطاع الإعلامي في موريتانيا. هذه الممارسة التي تتجلى بتولي بعض الوزراء أو رؤساء الأحزاب أو مديري المؤسسات العامة تولي مهام الإعلام والتواصل ليس فقط عبر قنواتهم الرسمية، بل أحياناً مباشرة بيدهم أو من خلال موظفين تابعين لهم بعقود عمل خاصة، تقضي عملياً على فرص الصحفيين المحترفين، وتغلق الباب أمام جيل جديد من المبدعين في مجال الإعلام.
أبعاد القضية وأسبابها
في ظل سعي هؤلاء المسؤولين لإحكام قبضة السيطرة على أدوات الإعلام الرسمي، تتعمق الأزمة التي تتجاوز مجرد ضعف في جودة الرسالة الإعلامية، لتصل إلى حد التشويش على سمعة المسؤول نفسه والمؤسسات التي يمثلها، ناهيك عن التأثير السلبي على الثقة العامة بالنظام السياسي.
ولا تخلو هذه الظاهرة من ازدواجية واضحة في المصالح، حيث يتحول المسؤول الواحد إلى لاعب متعدد الأدوار، يجمع بين وزير ومدون ورئيس حزب ومدير شركة إعلامية أو موقع إلكتروني في آنٍ واحد، مما يؤدي إلى فقدانه التركيز على مهامه الأساسية، وإضعاف استقلالية الإعلام واحترافه.
تداعيات على صناعة الإعلام وحرية التعبير
يمثل هذا التداخل خطراً على حرية الصحافة بأبعادها المختلفة وعلى المصداقية المهنية التي يجب أن تحكم الإعلام. فالرسائل الإعلامية المصاغة بطريقة غير احترافية أو تلك التي تخدم أجندات ذاتية تقلل من مستوى المناقشة الوطنية وتبعد الإعلام عن دوره الحقيقي كمراقب وناقد ومجتهد في فضح السلبيات ودعم التحولات الإيجابية.
وتضاف إلى ذلك مخاطر هدر الموارد، حيث تُصرف الأموال المخصصة لاستشاريين ومساعدين إعلاميين محترفين على أشخاص يمارسون مهاماً إعلامية دون احتراف، مما يضعف من بناء قاعدة إعلامية ذات جودة وإعلاميين قادرين على حمل الأمانة بأعلى درجات المسؤولية.
ضرورة فصل الأدوار واحترام التخصصات
يعلو صوت من داخل المشهد الإعلامي وخارجه بالمطالبة بضرورة فصل الأدوار المهنية بوضوح بين السياسيين وصناع القرار من جهة، والصحفيين والمتخصصين الإعلاميين من جهة أخرى. فالاحترام الكامل للتخصصات المهنية لا غنى عنه في بناء منظومة إعلامية قوية ومستقلة، تساهم في بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.
ويعتبر الاستثمار في الكوادر الإعلامية وتمكينها من أدوات العمل المهني والحرّية الضامنة لها أمراً حتمياً لتحقيق تقارير إعلامية دقيقة ومتوازنة تنعكس إيجاباً على حوكمة القطاع السياسي وجودته.
في ضوء الأخطار الواضحة التي تهدد الإعلام الوطني من خلال ظاهرة تداخل الأدوار، يبقى الطريق ممهداً أمام صانعي السياسات لإرساء آليات واضحة تضمن احترام الحريات وفتح المجال أمام الكفاءات الصحفية للقيام بدورها. إن الاعتراف بأن الإعلام معيار للشفافية وحامي للديمقراطية يجب أن يقابله موقف حازم ضد الحقب الفردية التي تسيء إلى رسالة الإعلام.
إن تطوير سياسة إعلامية وطنية شاملة تضع حدوداً واضحة بين المهام السياسية والوظائف الصحفية، ويرسخ مبدأ استقلالية الإعلام، هو السبيل الأنجع ليشهد المشهد الإعلامي في موريتانيا نقلة نوعية تعكس تطلعات المجتمع وتدعم البناء الوطني الديمقراطي.