موريتانيا في قلب التنافس الدولي بالساحل – موقع أخر قرار

إعداد/ محمدو عبد الله
في لحظة تتقاطع فيها المصالح الدولية وتتسارع التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل الإفريقي، تبرز موريتانيا كلاعب محوري في معادلة التوازن الإقليمي. بين موجة النفوذ الأمريكي والروسي والتنافس على الأرض والموارد، يقف الوطن أمام تحديات استراتيجية تستدعي قراءة معمقة وتحليلاً دقيقاً لمسارات الاقتصاد والدبلوماسية التي يمكن أن تحمي مصالحه وتعزز مكانته في هذا السياق المتغير. هذا هو محور الندوة الأخيرة التي نظمها المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية، مساء أمس في انواكشوط والتي عكست الأدوار المختلفة التي تلعبها موريتانيا في ظل هذه الدينامية الدولية المعقدة.
في سياق الاهتمام المتزايد بتحولات المشهد الجيوسياسي في منطقة الساحل الإفريقي، نظّم المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية ندوة حوارية مساء السبت الماضي في نواكشوط، ركزت على التنافس الأمريكي – الروسي وتأثيره على أمن واستقرار المنطقة، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه موريتانيا بين حسابات الاقتصاد والدبلوماسية.
أدار الندوة الباحث الدكتور عبد الله بيان، وحضرها عدد من الخبراء والأكاديميين والسياسيين المرموقين، ممن قدموا تحليلات معمقة حول تعقيدات التنافس الدولي وكيفية الاستفادة الوطنية منه. في هذا السياق، بيّن السفير السابق سيد محمد ولد حننا أن ضعف الدول الثلاث (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) يعيد إحياء الصراع الجيوسياسي في الساحل، حيث تتزايد محاولات القوى الكبرى لترسيخ نفوذها عبر أدوات مختلفة.
في المقابل، لفت الوزير السابق محمد ولد العابد إلى أن موريتانيا تملك مقومات استراتيجية مهمة بسبب موقعها الجغرافي الثري ومواردها الطبيعية التي تمنحها فرصة فريدة للعب دور متوازن في المنطقة. وأكد على ضرورة تعزيز قدرات البلاد الدبلوماسية والاقتصادية لتتمكن من اقتناص مكاسب هذا التنافس دولياً دون الانجرار إلى صراعات قد تضر بها.
ومن منظور داخلي، سلط عضو مجلس الشيوخ السابق المصطفى سيدات الضوء على أهمية الإصلاح الوطني، داعياً إلى حوار وطني شامل يضم جميع الأطراف الفكرية والسياسية، بهدف مواجهة التحديات الاقتصادية، الديمقراطية، والهوية الوطنية، باعتباره ركيزة لتعزيز صمود موريتانيا أمام الإغراءات أو الضغوط الخارجية.
الندوة التي نظمها المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أكدت أن التوازن المطلوب لجهة الاستقرار والتنمية يتطلب رؤية شاملة ومتكاملة تجمع بين تجاوز الهشاشة الإقليمية، واستثمار الموقع والمقدرات الوطنية، مع تطوير آليات دبلوماسية فاعلة للتعامل مع القوى الدولية المتنافسة. إذ يشكل هذا الحوار نموذجاً نوعياً يُعزّز وعي صناع القرار ويُرشد بأفق استراتيجي واضح في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.
إن المؤتمر، بخبراته وتحليلاته، يقدم موريتانيا كقاطرة محتملة للتنمية والاستقرار في الساحل، من خلال تبني سياسات متوازنة تراعي المصالح الوطنية وتعمل على تفادي التنافس الدولي الذي غالباً ما يُفاقم الأزمات الأمنية والسياسية في المنطقة. هذا المعطى يضع موريتانيا في موقع «الوسيط» والفاعل الأساسي، ما يعد مكسباً حقيقياً يُعيد تشكيل صورة الدولة في المشهد الإقليمي والدولي.