الاستثمار وفرص التنمية.. بين التفاؤل والانتقادات في موريتانيا- موقع أخر قرار

تشهد موريتانيا حالة من الزخم الاستثماري الجديد، مع دخول رؤوس أموال أجنبية ضخمة إلى البلاد، وسط دعوات رسمية لتعزيز فرص الاستثمار وتوسيع قاعدة الشراكات الاقتصادية. في هذا السياق، دعت وزيرة التجارة والسياحة، زينب منت أحمدناه، رجال الأعمال السعوديين إلى اغتنام الفرص الواعدة في موريتانيا، مشيرة إلى ثروات البلاد المعدنية الضخمة من الحديد والذهب والنحاس، والتي تجعلها من أغنى الدول في

يرى أنصار النظام في موريتانيا أن هذه الاستثمارات الجديدة تمثل نقلة نوعية في مسار التنمية الاقتصادية، مؤكدين نجاح حكومة الرئيس محمد ولد الغزواني في جذب تمويلات أجنبية تجاوزت المليار دولار خلال 2024، مع تعهدات بتمويل إضافي يصل إلى 2 مليار دولار حتى 2030. ويشيرون إلى الإصلاحات الهيكلية التي تعزز مناخ الاستثمار، مثل تحديث مدونة الصفقات العمومية، وتحسين قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومكافحة الفساد المالي، مما يرسخ الثقة ويهيئ البيئة لجذب المزيد من المستثمرين .

ومع ذلك، يبرز معارضو النظام صوتًا ناقدًا يحذر من استمرار منظومة الفساد والزبونية التي تعيق استفادة الشعب من هذه الاستثمارات. ويشددون على ضرورة تطبيق نظام صارم وشفاف لتسيير العائدات الضريبية، يقطع مع عمليات الصمصرة والمحسوبية التي تحول دون توزيع عادل للثروات، ويمنع تسرب الأموال إلى جيوب ضيقة داخل الحكومة على حساب المصلحة الوطنية. ويؤكد هؤلاء أن غياب الشفافية والمساءلة يجعل الاستثمارات حبيسة مصالح فئات محدودة، ويحول دون تحقيق نتائج إيجابية ملموسة على مستوى التنمية الشاملة .

آفاق الإصلاح والشفافية

تطرح هذه التباينات سؤالًا جوهريًا حول قدرة النظام الحالي على فك شفرة الفساد المالي المتجذر، وتحويل الاستثمارات الأجنبية إلى مكاسب حقيقية تعود بالنفع على كافة شرائح المجتمع. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن نجاح موريتانيا في هذا الملف يتطلب ليس فقط ضخ الأموال، بل بناء مؤسسات قوية وفعالة تضمن الشفافية، وتضع حداً للرشاوى والعمليات غير القانونية التي تقوض التنمية.

في هذا الإطار، تؤكد وزيرة التجارة زينب منت أحمدناه أن الحكومة ملتزمة بتوفير بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة، مشيرة إلى أن الشراكات الحقيقية مع المستثمرين السعوديين وغيرهم من الشركاء ستسهم في تعزيز التنمية وخلق فرص عمل جديدة، مع ضمان استفادة الاقتصاد الوطني بشكل مستدام .

تحديات حقيقية وفرص واعدة

تواجه موريتانيا تحديات جغرافية وديموغرافية كبيرة، كما يشير وزير الاقتصاد والمالية سيد أحمد ولد أبوه، الذي أكد على أهمية البنية التحتية كقاعدة للنمو والتوزيع العادل للخدمات، مع التركيز على مشاريع استراتيجية مثل ميناء المياه العميقة في النهاري، وتطوير قطاع الغاز الطبيعي الذي يُعد ثروة واعدة ستغير ملامح الاقتصاد الوطني في السنوات القادمة.

ومع ذلك، يبقى تحقيق الفائدة القصوى من هذه الاستثمارات رهينًا بمدى التزام الحكومة بإصلاح منظومة الحوكمة، وتعزيز الشفافية، ومحاربة الفساد بشكل فعّال، وهو ما يظل محور نقاش حاد بين مؤيدي النظام ومعارضيه.

إن دخول الاستثمارات الأجنبية إلى موريتانيا يشكل فرصة حقيقية لتعزيز الاقتصاد الوطني وتحسين مستوى المعيشة، لكن هذه الفرصة لن تتحقق إلا عبر نظام صارم وشفاف لإدارة العائدات، يقطع مع المحسوبية والزبونية، ويضمن توزيعًا عادلاً للثروات. يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة النظام الحالي على تجاوز تحديات الفساد وتحويل هذه الاستثمارات إلى رافعة تنموية حقيقية تخدم جميع المواطنين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق