الموريتانية للطيران بين فضيحة تهريب الأموال وإقالة مديرة مكتب المغرب: فساد متجذر ومستقبل مجهول – موقع أخر قرار

تعيش الشركة الموريتانية للطيران منذ سنوات أزمات متراكمة، كشفت عنها تقارير إعلامية وشهادات خبراء من داخل القطاع، كان آخرها فضيحة مالية مدوية في مكتب الشركة بالمغرب. هذه الأزمات أثارت جدلاً واسعاً حول حجم الفساد الإداري والمالي، وأثرت بشكل مباشر على صورة الشركة وسمعتها في الداخل والخارج، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول ضرورة إصلاح جذري في قطاع الطيران المدني الموريتاني.
مظاهر الفساد الإداري والمالي
1. المحسوبية في التوظيف والترقيات
تشير شهادات خبراء الطيران، مثل القائد الطيار أبوبكر بيها، إلى أن الشركة تحولت إلى “مرتع خصب للاكتتابات والتعيينات المحسوبية”، حيث يتم تعيين الموظفين وترقيتهم بناءً على القرابة والنفوذ، دون اعتبار للكفاءة أو الخبرة.
ويؤكد أن معظم الوظائف العليا والمتوسطة تُمنح لأقارب المسؤولين والمتنفذين، في غياب تام للمسابقات الشفافة أو المعايير المهنية.
2. غياب الاستراتيجيات التنظيمية
يصف خبراء القطاع تسيير الشركة بأنه “ارتجالي”، حيث تغيب الخطط العلمية والأطر التنظيمية، ويعتمد المديرون المتعاقبون على حلول ترقيعية دون رؤية بعيدة المدى. أدى ذلك إلى تعطل أسطول الشركة بالكامل في بعض الفترات، واضطرارها لاستئجار طائرات أجنبية، ما تسبب في إلغاء وتأخير عشرات الرحلات وترك مئات المسافرين عالقين.
3. إضرابات وقطيعة بين الإدارة والطيارين
شهدت الشركة مؤخراً إضراباً تاريخياً للطيارين، بسبب سوء التسيير وغياب الحوار مع الإدارة، ما هدد استمرارية الرحلات وأثار مخاوف جدية حول سلامة العمليات الجوية.
الفضيحة المالية في مكتب المغرب
في يونيو 2025، أقالت الشركة ممثلتها في المغرب بعد اتهامها بمحاولة تهريب مبلغ مليون يورو عبر مطار محمد الخامس. هذه الحادثة، التي هزت الرأي العام، سلطت الضوء على حجم التجاوزات المالية داخل الشركة، وأثارت تساؤلات حول مدى الرقابة على الأموال والموارد. ودعا الصحفي سلطان البان إلى فتح تحقيق مستقل ومحاسبة جميع المتورطين، معتبراً أن الإقالة وحدها “خطوة غير كافية لمعالجة جذور الأزمة”.
قضايا فساد سابقة في الوكالة الوطنية للطيران المدني
لم تقتصر الفضائح على الشركة وحدها، بل طالت الوكالة الوطنية للطيران المدني (ANAC)، حيث كشفت تحقيقات رسمية عام 2019 عن تلاعب كبير في الحسابات والفواتير، ووجود فواتير مزورة لمعدات منحتها دولة الإمارات للوكالة، مما أدى إلى توقعات بإقالات واسعة في صفوف المسؤولين.
وجهة نظر الحكومة والشركة
تقر الجهات الرسمية بوجود اختلالات، وتؤكد أنها اتخذت إجراءات صارمة لمكافحة الفساد، مثل إقالة المسؤولين المتورطين وفتح تحقيقات إدارية وقضائية. وتؤكد الحكومة التزامها بتعزيز الشفافية وإعادة هيكلة الشركة، وتعيين كفاءات متخصصة في مجال الطيران، مع مراجعة شاملة لسياسات التوظيف والتسيير.
من جهة أخرى، تدافع الإدارة الحالية عن نفسها، مشيرة إلى أن بعض المشاكل “إرث ثقيل” من إدارات سابقة، وأنها تعمل على تحسين الأداء وتطوير الأسطول والخدمات، رغم التحديات البنيوية والمالية.
آفاق الإصلاح ومستقبل القطاع
يرى مراقبون أن معالجة الفساد في الشركة الموريتانية للطيران تتطلب:
-
إصلاحات هيكلية شاملة في الإدارة والتوظيف
-
تعزيز الرقابة المالية وتفعيل آليات المحاسبة
-
تعيين كفاءات فنية وإدارية متخصصة
-
تحديث القوانين والأنظمة بما يواكب المعايير الدولية
-
إشراك الخبراء الوطنيين في رسم سياسات التطوير
وتبقى هذه الخطوات ضرورية لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين والشركاء الدوليين، وضمان مستقبل مستدام للطيران المدني في موريتانيا.
خاتمة
تؤكد الوقائع أن الفساد في الشركة الموريتانية للطيران ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو عرض لأزمة أعمق في تسيير المؤسسات العمومية. وبينما تتعالى الأصوات المطالبة بالإصلاح، يبقى الرهان على الإرادة السياسية والشفافية والاعتماد على الكفاءات الوطنية هو السبيل الوحيد لإنقاذ هذا القطاع الحيوي من الانهيار واستعادة مكانته في خدمة الاقتصاد الوطني.