مشروع تجميع القرى في موريتانيا… طموح تنموي تحطم على صخرة الواقع- موقع أخر قرار

في إطار سعيها لمحاربة التوسع العمراني العشوائي وتحقيق تنمية متوازنة، أطلقت الحكومة الموريتانية خلال السنوات الماضية مشروع تجميع القرى ، والذي يهدف إلى إعادة توطين سكان القرى المتناثرة في تجمعات سكنية منظمة، تتمتع بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، مما يسهل على الدولة تنفيذ خططها التنموية وتوفير الخدمات بشكل فعّال.
ومن أبرز النماذج التي سعت الحكومة من خلالها إلى تجسيد هذا المشروع، التجمع السكني *الواقع على الطريق الرابط بين مقاطعة باركيول ومدينة كيهيدي*، حيث قامت السلطات بتخطيط مساحة واسعة، شيّدت فيها مدرسة، ومركزاً صحياً، وسوقاً، وقامت بتقسيم القطع الأرضية على السكان القادمين من القرى المجاورة.
لكن رغم هذه الجهود، *باء المشروع بالفشل*، حيث لم يستجب السكان لدعوة الترحيل، وظلت المنشآت مهجورة في منطقة باتت تُشبه “مدينة أشباح”، لا حياة فيها ولا نشاط اقتصادي.
أسباب الفشل:
– غياب الحوافز الاقتصادية:
يُجمع خبراء التنمية المحلية على أن فشل المشروع يعود أساساً إلى عدم وجود محفز اقتصادي قوي يجعل السكان يتركون مناطقهم الأصلية، حيث لم يتم توفير أي مشاريع مدرّة للدخل، أو دعم مباشر للأسر التي كان يفترض ترحيلها.
– ضعف التواصل مع السكان:
المشروع تم دون إشراك فعلي للسكان أو فهم لخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية، وهو ما خلق فجوة ثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.
– *الخوف من فقدان الأرض والمواشي*: بالنسبة لسكان القرى الزراعية والرعوية، يشكل الانتقال إلى أماكن جديدة *تهديداً لمصادر عيشهم التقليدية*.
وجهة نظر الحكومة:
تقرّ بعض الجهات الحكومية بصعوبة تنفيذ مشروع بهذا الحجم، مؤكدة أن *النية كانت تنموية بحتة*، لكنها اصطدمت بعراقيل اجتماعية واقتصادية حالت دون تحقيق الهدف المنشود، مضيفة أن المشاريع المماثلة مستقبلاً ستراعي توفير *حوافز انتقال* ومرافقة اقتصادية للسكان.
رأي المعارضة:
من جهتها، ترى أطراف في المعارضة أن المشروع *اتسم بالعشوائية والتسرع، وتم دون دراسة ميدانية حقيقية لاحتياجات السكان، معتبرة أن الأموال المصروفة عليه *أهدرت دون مردودية، وأن مثل هذه المبادرات لا يمكن أن تنجح دون تخطيط تشاركي وتنمية حقيقية* في نقاط الترحيل.
يبقى مشروع تجميع القرى في موريتانيا مثالاً على الطموحات التنموية التي تصطدم بالواقع، في ظل *ضعف المرافقة الاقتصادية والاجتماعية*، وغياب الثقة بين المواطن والدولة. نجاح هذه المشاريع مستقبلاً يتطلب مقاربة شاملة تُدمج التنمية الاقتصادية مع التخطيط العمراني، وتضع *الإنسان في قلب السياسات العمومية.