تفعيل المفتشيات الداخلية.. خطوة إصلاحية أم إجراء غير مكتمل؟

اعداد/ محمدو عبدالله.
أثار القرار الأخير للوزير الأول في موريتانيا، والمتعلق بتفعيل عمل المفتشيات الداخلية داخل القطاعات الحكومية، نقاشًا واسعًا حول مدى قدرة هذا الإجراء على معالجة أحد أعقد ملفات الإدارة الموريتانية: الفساد وضعف الرقابة واستمرار الإفلات من العقاب.
التفتيش الإداري.. جهاز غائب لسنوات
على الرغم من وجود المفتشيات الداخلية في هيكلية الوزارات منذ عقود، فإن دورها ظل شبه معطّل لفترات طويلة. ففي ظل غياب التفتيش الفعّال، صعدت اختلالات مالية وإدارية ضخمة، وضاعت ميزانيات بمليارات الأوقية، وتم تمرير صفقات مشبوهة ومشاريع لم تُنجز أو أُنجزت خارج المعايير. هذا الفراغ الرقابي جعل بعض الإدارات تتحوّل إلى جزر معزولة تتحرك بعيدًا عن المحاسبة، ليصبح التفتيش – وهو الأداة الأولى للرقابة – مجرد حبر على ورق.
الوساطة والقبيلة.. مظلة حماية للمفسدين
تعاني المنظومة الإدارية في موريتانيا من تأثير بنية اجتماعية قائمة على الوساطة والقبيلة، الأمر الذي سمح لكثير من المتورطين في ملفات فساد بالنجاة من العقوبة. فقد أثبتت التجربة أن هناك أشخاصًا فوق القانون، استفادوا من نفوذهم الاجتماعي والسياسي، وأحيانًا من حاجة الدولة إلى خزانهم الانتخابي، ما أدى إلى غضّ الطرف عن تجاوزاتهم رغم ثبوت المخالفات. وفي حالات كثيرة، تحوّلت المفتشيات نفسها إلى جهاز شكلي يُرفع إليه التقارير ولا يُنفّذ منها شيء.
قرار الوزير الأول.. خطوة جدّية لكن التحديات أكبر
يمثل قرار الوزير الأول بإعادة تفعيل المفتشيات الداخلية خطوة في الاتجاه الصحيح، وتأكيدًا على وجود نية سياسية لإرساء قواعد الرقابة والشفافية. فالرقابة الداخلية عنصر مركزي في أي إصلاح إداري، وتمكين المفتشيات من ممارسة صلاحياتها يمكن أن يكشف سوء تسيير الميزانيات، والتجاوزات في الصفقات العمومية، والتلاعب في الموارد البشرية، وغياب الانضباط الإداري، وضعف تنفيذ المشاريع التنموية. ومع ذلك، تبقى فعالية القرار مرهونة بشروط أساسية.
إشكالية التنفيذ.. هل تكفي القرارات؟
لكي يكون هذا القرار فاعلًا، يجب أن يتجاوز عائقين رئيسيين:
أولًا: فكّ الارتباط بين التفتيش والسلطة السياسية والاجتماعية. فلا يمكن للمفتش أن يقوم بدوره إذا كان عرضة لضغط سياسي أو قبلي، أو إذا كانت نتائج التفتيش تُعدَّل أو تُحجب حفاظًا على مصالح نافذين.
ثانيًا: تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. فما لم يكن القانون قادرًا على الوصول إلى كبار الموظفين الذين اعتادوا الإفلات من العقاب، فإن التفتيش سيظل مجرد واجهة. فالفساد في موريتانيا – كما تثبته التجارب – ليس دائمًا في القاعدة، بل في القمة حيث النفوذ والقرب من مراكز القرار.
هل ينجح القرار؟
إذا تم تفعيل المفتشيات فعليًا، بطريقة مهنية ومستقلة، فإن القرار يمكن أن يشكل تحولًا مهمًا في مكافحة الفساد. أما إذا بقيت الوساطة والضغوط السياسية قائمة، أو استمرت سياسة الكيل بمكيالين، فإن القرار لن يكون إلا إضافة جديدة لسلسلة طويلة من الإصلاحات غير المكتملة.
خلاصة
يمثل قرار الوزير الأول خطوة إيجابية، لكنه سيظل اختبارًا لمدى قدرة الدولة على فرض هيبة القانون، وحماية المفتشين، وقطع الطريق أمام شبكات النفوذ. فالفساد في موريتانيا لا يُحارب بالقرارات وحدها، بل بإرادة تطبيق تُترجم في الميدان، وفي مواجهة كل من يعتقد بأنه فوق القانون.