موريتانيا بين رسالتين: القوة العسكرية والدبلوماسية الحكيمة

في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية ورسائل متعددة الاتجاهات، شهدت الأيام الأخيرة تحركًا مزدوجًا للنظام الموريتاني جمع بين إظهار الجاهزية العسكرية على الحدود الشرقية، والتحرك الدبلوماسي الهادئ في الجارة مالي، ما يعكس نهجًا متوازنًا يجمع بين الردع والتعقل.

رسالة القوة والجاهزية

الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الوطني رفقة الفريق محمد فال الرايس، قائد الأركان العامة للجيوش، وقائد الدرك الوطني إلى المنطقة العسكرية الخامسة شرق البلاد، مثّلت عرضًا عمليًا للقوة والانضباط، ورسالة واضحة بأن موريتانيا يقظة ومستعدة لحماية حدودها وسيادتها.
الوفد العسكري الرفيع اطلع على وحدات الجيش المنتشرة على الشريط الحدودي مع مالي، ووقف على جاهزيتها واستعدادها للتصدي لأي تهديد أمني محتمل.
وقد تزامن ذلك مع نشر صور ومنشورات عسكرية رسمية أظهرت جزءًا من العتاد العسكري الجديد، والكشف عن قاعدة جوية مخصصة للطائرات المسيرة، في إشارة رمزية إلى تطور القدرات الدفاعية للبلاد ودخولها مرحلة جديدة من المراقبة الذكية والتأمين الاستباقي للحدود.
هذه الزيارة وما رافقها من رسائل إعلامية، تُقرأ في السياق الإقليمي المضطرب الذي تشهده منطقة الساحل، خصوصًا على الحدود مع مالي، لتؤكد أن نواكشوط لن تتهاون في حماية مجالها الترابي، ولن تتردد في الرد على أي تهديد يستهدف أمنها أو استقرارها.

رسالة الدبلوماسية الهادئة

وبالتوازي مع ذلك التحرك العسكري، جاءت زيارة وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك إلى باماكو لتؤكد الوجه الآخر من السياسة الموريتانية، القائمة على الحكمة وضبط النفس.
فقد حمل الوزير في جولته ملف العلاقات الثنائية، وبحث القضايا العالقة وعلى رأسها شكاوى سكان المناطق الحدودية من مضايقات تعرضوا لها من بعض السلطات المالية، في محاولة لتسويتها عبر القنوات الدبلوماسية الهادئة بعيدًا عن التصعيد.
زيارة مرزوك أكدت أن موريتانيا، رغم امتلاكها أدوات الردع، تفضل الحوار والتفاهم وتتعامل مع الملفات الحساسة بعقلانية وواقعية، إدراكًا منها لطبيعة الوضع الأمني في مالي وما يفرضه من ضرورة التوازن بين الحزم والتهدئة.

ثنائية متكاملة.. لا متناقضة

بهذه التحركات المزدوجة، تجمع موريتانيا بين قوة الردع العسكري وحكمة التعاطي الدبلوماسي، في نهج يعكس فلسفة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائمة على “السلام القائم على القوة”، أي التصدي للتهديدات دون استفزاز، وبناء الأمن من موقع القوة لا الضعف.
إنها ثنائية الرسائل التي أرادت نواكشوط إيصالها بوضوح:

للداخل: طمأنة المواطنين على أمنهم واستقرار وطنهم.

وللخارج: تأكيد أن موريتانيا قادرة على الدفاع عن نفسها، لكنها في الوقت ذاته شريك يعتمد عليه في تحقيق الاستقرار الإقليمي.

ومع تزايد التحديات في منطقة الساحل، يبدو أن موريتانيا ترسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها:

قوة في الميدان.. وحكمة على طاولة الحوار.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق