تعديل جزئي يكشف ملامح التغيير العميق

أعلنت رئاسة الجمهورية مساء أمس الخميس عن تعديل جزئي في التشكيلة الحكومية غادر بموجبه خمسة وزراء من الصف الأول، هم: وزير العدل محمد محمود ولد بيه، ووزير الصحة عبد الله ولد وديه، ووزير الشؤون الإسلامية سيد يحيى ولد لمرابط، ووزير الزراعة أمم بيبات، ووزير التنمية الحيوانية المختار كاكيه.

وفي المقابل، دخلت شخصيات جديدة إلى الفريق الحكومي من بينها الناهة بنت مكناس – صاحبة أطول مسيرة وزارية في عمر الدولة الحديث – إلى جانب محمد محمود ولد اعل محمود، ومريم بيجل، وسيد أحمد ولد محمد، وسليمان ولد الشيخ سيديا، ومامادو انياك الذي تم تدويره.

#تحليل| الاستقراء السياسي يقول أن التغيير المعلن ليس سوى تمهيد لتعديل أوسع وأعمق يتم التحضير له تدريجياً. وحرصت الرئاسة هذه المرة على تجنب حل الحكومة كاملة، وذلك لتحاشي إعادة تكليف معالي الوزير الأول المختار ولد جاي أو بحث خيار تغييره، حيث يُنظر إليه باعتباره الأكثر قدرة على مواصلة تنسيق العمل الحكومي في المرحلة وخروج وزير العدل محمد محمود ولد بيه حمل رسالة سياسية واضحة، خاصة بعد توتر علاقته برئيس الحكومة وإطالته الحديث عليه في مناسبات رسمية بطريقة اعتُبرت غير لائقة. ويرجح أن توجهه نحو “منصب بلا مسؤولية” يأتي كإشارة إلى نهاية فاعليته التنفيذية.

أما وزير الشؤون الإسلامية سيد يحيى ولد لمرابط، فقد بدا خروجه متوقعاً بفعل ملفات الفساد المرتبطة بالحج الأخير، وما أعقبه من شروعه في تسديد مبالغ مالية كبيرة على خلفية تلك التجاوزات.

وفي المقابل، شكلت إقالة وزير الصحة عبد الله ولد وديه ترجمة لغضب رئاسي متنامٍ بعدما تحولت وزارته في عهده إلى ما يشبه “إقطاعية محلية”، مع تعطل المشاريع الكبرى في مجال الطب والاستشفاء.

أبرز مفاجآت التعديل كانت عودة الوزيرة السابقة الناهة بنت مكناس، بعد فترة من الغياب والمغاضبة السياسية. فاستبعادها في وقت سابق جاء إثر رفضها التضحية بمقعد حزبي لصالح بقائها، وهو ما انعكس آنذاك في انسحابها الملحوظ من المشهد الوطني، خصوصاً خلال زيارات الرئيس لولاية داخلت نواذيبو، وظلت تهورل بين بيتها والوزارة الأولى تشتكي من إقصائها. دخولها من جديد يوحي بأن الرئاسة فضّلت إعادة توزيع أوراقها بالاعتماد على الصناديق السوداء في بيئة سياسية معقدة مثلها مثل دخول إبنة السياسي البارز بيجل هميد.

توازنات جهوية وتقاطعات سياسية

إشراك محمد محمود ولد اعل محمود – الخصم اللدود لوزير الصحة المقال عبد الله ولد وديّه – عكس بوضوح قوة موقعه الاجتماعي والسياسي. كما أن دخول سليمان ولد الشيخ سيديا كان أقرب إلى مراعاة مبدأ التوازن الجهوي والقبلي، خاصة بعد تقسيم وزارة الاقتصاد والمالية إلى قطاعين بهدف تخفيف الضغط وتوزيع المهام, وهو ما يعتبر حصة إقطاعية لجهة ترغب في الهيمنة على مقاعد السلطة، ولا ينظر إلى تعيين ولد سيديا كتغيير بهدف الاصلاح الاقتصادي.

#سيد_احمد_أبوه| إبعاد وزير المالية والاقتصاد سيد أحمد أبوه من منصب _الأمن الاقتصادي السيادي- ومنحه حقيبة الزراعة، يعكس بوضوح حجم الفشل الذي لازمه في كل موقع شغله. فقد تحول الرجل إلى مجرد بالون إعلامي يفتقد لأي قدرة حقيقية على التسيير، أكثر من كونه خبيراً اقتصادياً مؤهلاً. لقد جسدت سياسته المرتبكة في القطاع قمة العجز والتخبط، فيما كشفت ممارساته الإقطاعية عن عقلية جهوية ضيقة وفساد إداري ممنهج.
لم يتردد ولد أبوه في زرع ولاءاته وغراباته داخل القطاع على حساب المهنية والكفاءة، فأصدر مذكرات تعيين لصالح مقربين اجتماعياً، في وقت يُترك فيه عشرات الموظفين في بطالة مقنعة بلا مهام حقيقية. أما دوره العملي، فقد اقتصر على الصراخ والجدل العقيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدلاً من تحقيق أي إنجاز فعلي يخدم القطاع أو المواطن.
تلك الصورة الكارثية لوزير فقد الصلة بالمسؤولية والإنجاز، دفعت بالرئيس والوزارة الأولى للتفكير جدياً في إبعاده عن قطاع سيادي حساس، والشروع في تقسيمه إلى قسمين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما أفسده سوء الإدارة وفقدان الكفاءة.

من جانبه، جاء تعيين سيد أحمد ولد محمد ليؤكد عجزه السابق في إدارة حزب الإنصاف الحاكم، حيث كوفئ بحقيبة هامشية لا تحمل وزناً سياسياً كبيراً، لكنها تحفظ ماء وجهه في المشهد العام.

#ولد_سويدات| من أبرز دلالات التعديل تكليف ولد اسويدات بقطاع العدل، وهو الممسك بملفات أمنية حساسة بفضل 17 عاماً قضاها في كنف الداخلية. تعيينه يعكس توازناً في العلاقة مع الوزير الأول المختار ولد جاي من الناحية السياسية، ويمنحه نفوذاً إضافياً بالنظر إلى حضوره القوي في ولاية لبراكنة غير أن هذه الخطوة لا تخلُ من البعد السياسي العميق، إذ يرتبط اسم ولد اسويدات بصراع معلن مع النائب بيرام الداه اعبيد. وقد سبق أن صرح بأن توليه منصباً سيادياً سيكون “نهاية المسار السياسي لزعيم حركة إيرا حسب قوله”. وإذا ما صح هذا الاتجاه، فقد يكون التعيين جزءاً من سياسة تصعيدية تجاه الرجل ومشروعه السياسي.

نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد

الأيام القادمة مرشحة لمزيد من التغييرات تبدأ ببعض الوزراء الذين ينتظرون دور التغيير و قد تطال تلك التطورات سرب من السفراء المتقاعدين والعاجزين عن القيام بمهام ديبلوماسية حيوية، كما تحتاج القطاعات الحكومية إلى تحريك الأمناء العامون في الوزارات، ما يوحي بوجود مسار متدرج لإعادة رسم هرم السلطة التنفيذية وتحضير الأرضية لتحولات أعمق في الإدارة والسياسة على حد سواء. بهذا، يبدو أن التعديل الجزئي ليس مجرد تغيير محدود في الوجوه المتسخة، بل خطوة تكتيكية تعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة بناء التوازنات داخل النظام، مع رسائل مباشرة للطبقة السياسية حول طبيعة المرحلة المقبلة.

Sultan Elban سلطان البان
19-09-2025
LONDON

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق