كبار المسؤولين والعلاج بالخارج: استنزاف العملة الصعبة وإضعاف قطاع الصحة في موريتانيا – موقع أخر قرار

في السنوات الأخيرة، أثارت ظاهرة توجه كبار المسؤولين في الدولة إلى تلقي العلاج الطبي خارج موريتانيا، وقضاء إجازاتهم الصحية في الخارج، فضلاً عن شراء العقارات في دول أجنبية، جدلاً واسعاً حول تأثيرها على الاقتصاد الوطني وقطاع الصحة.

تزايد ظاهرة العلاج والعطل الصحية خارج البلاد

تشير المعطيات غير الرسمية إلى أن عدداً كبيراً من المسؤولين وكبار الموظفين يفضلون السفر إلى أوروبا أو دول الخليج أو شمال إفريقيا لتلقي العلاج، بدلاً من الاعتماد على المنشآت الصحية المحلية. كما أن الإجازات الصحية غالباً ما تتم خارج موريتانيا، ما يعني ضخ مبالغ مالية كبيرة إلى الخارج في صورة نفقات علاج وسفر وسكن.

شراء العقارات واستنزاف العملة الصعبة

يضاف إلى ذلك تزايد ظاهرة شراء العقارات خارج موريتانيا، سواء لأغراض السكن أو الاستثمار. هذا الأمر يؤدي إلى تصدير كميات كبيرة من العملة الصعبة إلى الخارج، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز احتياطياتها من العملات الأجنبية لتمويل الواردات وتنفيذ مشاريع التنمية.

الأرقام والتقديرات

لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة حول حجم الأموال التي يتم إنفاقها سنوياً في الخارج، لكن بعض الخبراء الاقتصاديين يقدرون أن مئات الملايين من الأوقيات (ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات) يتم تحويلها سنوياً لهذه الأغراض. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من نصف كبار المسؤولين في الدولة يمتلكون عقارات أو يمتلكون أسرهم عقارات خارج موريتانيا، خاصة في دول مثل المغرب وتونس وفرنسا والإمارات.

رأي المختصين الاقتصاديين

يرى الخبراء الاقتصاديون أن هذه الظاهرة لها تداعيات خطيرة على الاقتصاد الوطني:

  • استنزاف العملة الصعبة: يؤدي تحويل الأموال إلى الخارج إلى ضغط كبير على احتياطي النقد الأجنبي، ما يؤثر على الاستقرار المالي والنقدي للبلاد.

  • ضعف قطاع الصحة المحلي: عدم الاستثمار في تحسين البنية التحتية الصحية داخل موريتانيا، بسبب ضعف الطلب من قبل كبار المسؤولين الذين يفضلون العلاج في الخارج.

  • تأثير سلبي على الاستثمار المحلي: صرف جزء من المدخرات الوطنية لشراء عقارات خارجية بدلاً من استثمارها في المشاريع المحلية، ما يحد من فرص خلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد.

  • تزايد عدم الثقة في النظام الصحي: عندما يلجأ كبار المسؤولين إلى الخارج للعلاج، فإن ذلك يعطي إشارة سلبية للمواطنين حول جودة الخدمات الصحية المحلية.

انعكاسات الظاهرة على قطاع الصحة

يعاني قطاع الصحة في موريتانيا من نقص في المعدات الطبية والكوادر المؤهلة، وضعف البنية التحتية، ما يجعل المواطنين العاديين يلجأون أيضاً إلى العلاج في الخارج عند الاستطاعة. أما كبار المسؤولين، فإنهم يمتلكون الإمكانيات المالية للعلاج في أفضل المستشفيات العالمية، ما يوسع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية ويقلل من الضغط على الحكومة لتحسين الخدمات الصحية.

لا يمكن إنكار أن هذه الظاهرة تؤثر سلباً على الاقتصاد الوطني وقطاع الصحة، وتستدعي تدخل الحكومة لمعالجة الأسباب الجذرية، مثل تحسين جودة الخدمات الصحية ودعم الاستثمار المحلي، وتشجيع المسؤولين على الاعتماد على المنشآت الصحية الوطنية. وفي الوقت نفسه، يدعو الخبراء إلى تشديد الرقابة على تحويلات الأموال للخارج ورفع مستوى الشفافية حول ممتلكات المسؤولين خارج البلاد، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق